مجمع البحوث الاسلامية
226
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الذّهن أنّ المراد بجهادهم : مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم ، فإن اقتضت المصلحة هجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا ، وإن اقتضت وعظوا باللّسان ، وإن اقتضت أخرجوا وشرّدوا إلى غير الأرض ، أو قتلوا إذا أخذ عليهم الرّدّة أو غير ذلك . وربّما شهد لهذا المعنى ، أعني كون المراد بالجهاد في الآية : مطلق بذل الجهد ، تعقيب قوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ بقوله : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي شدّد عليهم وعاملهم بالخشونة . ( 9 : 339 ) عبد الكريم الخطيب : « الكفّار والمنافقون » هم على سواء في كفرهم باللّه ، ومحاربتهم لدين اللّه ، وكيدهم لرسول اللّه . وإنّ على النّبيّ أن يجاهد هؤلاء وأولئك جميعا ، وأن يلقاهم بكلّ قوّة وبأس ؛ فالمنافقون كافرون وأكثر من كافرين ، لأنّهم يسترون كفرهم بالنّفاق ، ويدارونه بإظهار الإسلام ، فهم بهذا عدوّ خفيّ ، يأمن المسلمون جانبه ، ولا يأخذون حذرهم منه ، فيطّلع منهم على مالا يطّلع عليه العدوّ الظّاهر ، من مواطن الضّعف منهم ، وانتهاز الفرصة فيهم . فإذا جاهد النّبيّ الكفّار ، فليجاهد المنافقين كذلك ، وليشتدّ في جهادهم ، وليغلظ عليهم ، فلا يرخي يده عنهم إذا أمكنته الفرصة فيهم . ( 5 : 845 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ طريقة جهاد الكفّار واضحة ومعلومة ، فإنّ جهادهم يعني التّوسّل بكلّ الطّرق والوسائل في سبيل القضاء عليهم ، وبالذّات الجهاد المسلّح والعمل العسكريّ . لكنّ البحث في أسلوب جهاد المنافقين ، فمن المسلّم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يجاهد عسكريّا ولم يقابلهم بحدّ السّيف ، لأنّ المنافق هو الّذي قد أظهر الإسلام ، ويتمتّع بكلّ حقوق المسلمين ، وحماية القانون الإسلاميّ ، بالرّغم من أنّه يسعى لهدم الإسلام ومخالفته في الباطن تماما ، كما نعلم أنّ كثيرا من الأفراد لا حظّ لهم من الإيمان ، ولا يؤمنون حقيقة بالإسلام ، غير أنّا لا نستطيع أن نعاملهم كأناس غير مسلمين ، لأنّهم قد أظهروا الإسلام . ولهذا ، وعلى أساس ما يستفاد من الرّوايات وأقوال المفسّرين ، يجب القول : بأنّ المقصود من جهاد المنافقين ، هو الأنواع والطّرق الأخرى للجهاد ، باستثناء الجهاد الحربيّ والعسكريّ ، كالذّمّ والتّوبيخ والتّهديد والفضيحة ، وربّما تشير جملة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ إلى هذا المعنى . ويحتمل في تفسير هذه الآية : أنّ ( المنافقين ) يتمتّعون بأحكام الإسلام وحقوقه وحمايته ، ما دامت أسرارهم مجهولة ، ولم يتّضح وضعهم على حقيقته . أمّا إذا تبيّن وضعهم وانكشفت خبيئة أسرارهم ، فسوف يحكمون بأنّهم كفّار حربيّون ، وفي هذه الحالة يمكن جهادهم حتّى بالسّيف . لكن الّذي يضعّف هذا الاحتمال : أنّ إطلاق كلمة ( المنافقين ) على هؤلاء لا يصحّ في مثل هذه الحالة ، بل إنّهم يعتبرون من جملة الكفّار الحربيّين ، لأنّ المنافق - كما قلنا سابقا - هو الّذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر . ( 6 : 117 ) وجاء بهذا المعنى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ